(الخمر في القرآن والكتاب المقدس)

(لمن الويل لمن الشقاوة لمن المخاصمات، لمن الكرب لمن الجروح بلا سبب لمن أزمهرار العينين، للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج، لا تنظر إلى الخمور إذا أحمرت حين تظهر حبابها في الكأس وساغت مرقرقة، في الآخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعون، عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك ينطق بأمور ملتوية، وتكون كالمضطجع في قلب البحر أو كالمضطجع على رأس سارية يقول ضربوني ولم أتوجع لكلوني ولم أعرف متى أستيقظ أعود أطلبها بعد))..

هذا ما جاء في سفر الأمثال من وصف للخمر الشاربيه وقد حرم الخمر وأدين شاربه في الكتاب المقدس والقرآن الكريم، حيث نقرأ في سورة

المائدة 90 ـ 91 (يا أيّها الذين ءامنوا انّما الخمر والميسر والانصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون(90) إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون (91)).

والسؤال الأبرز لماذا حرم الخمر؟.

إن الله عزّوجلّ أعلم بما ينفع الإنسان وبما يضره، وقد حرم الخمر لأن ضرره يتعدى حدود منفعته، حيث نقرأ في سورة البقرة 219 (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما).

 

تحريم الخمر في الكتاب المقدس:

ورد في سفر اللاويين 10: 9 (وكلم الرب هارون قائلاً خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك لكي لا تموتوا فرضاًَ دهرياً في أجيالكم وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر)..

لقد وضع هذا النص الخمر في خانة الشراب المحرم وأنزله منزلة النجس باعتراف الكتاب المقدس كفرض إلهي دائم عندما قال: (فرضنا دهرياً = أبدياً… وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر)

وقد قدم المفعول به على الفعل والفاعل مما يفيد الحصر، ليؤكد على أهمية تركه والابتعاد عنه والملفت أنه حرم في سفر التشريع الأبرز اللاويين: (وهو عائد إلى سبط لاوي أحد الأسباط الاثني عشر، وكانت مهامه محصورة في الهيكل وله امتياز التشريع والتعليم الديني كونه الذي يتلقى التعاليم من الأنبياء ويحفظ تابوت العهد الذي يحوي الوصايا الإلهية التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام) ومن النصوص المحرمة في الكتاب المقدس اخترنا ما يلي…

(1) سفر القضاة 13: 14 (وقال ملاك الرب لمنوح من كل ما يخرج من جفنة الخمر لا تأكل وخمراً ومسكراً لا تشرب وكل نجس لا تأكل) إضافة إلى العدد الرابع من نفس

الإصحاح حيث ينذر قائلاً: (والآن فاحذري ولا تشربي خمراً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً).

(2) ومن نصوص العهد الجديد. افس 5: 18 (ولا تسكروا بالخمر (تحتسوا الخمر بحسب ترجمة العالم الجديد) الذي فيه خلاعة (الخمر) بل امتلئوا بالروح مكملين بعضكم بعضاً).

وهنا يحاول الكتاب المقدس أن يلفت الأنظار إلى مسألة مهمة للغاية، وهي أن الخمر يبعد عن الرقي الروحي ويحجب العابد عن المعبود ويقوده إلى الخلاعة والخطيئة، بينما نجد أن تكليف الله لنا هو الامتثال للروح الإلهية (الرسالة النبوية) لنكمل بعضنا بالإيمان والعمل، ولا تنفعنا هنا حالة اللاوعي التي يورثنا إياها احتساء الخمر لإتمام تكليفنا.

(3) تيموثاوس الأولى 3: 8 (كذلك يجب أن يكون

الشمامسة (أهل المسؤولية) ذوي وقار لا ذوي لسانين غير مولعين (طالبين بحسب ترجمة العالم الجديد) بالخمر ولا طامعين بالربح) يظهر هذا النص وجوب الابتعاد عن الخمر من قبل كل عاقل وصاحب مسؤولية كرب المنزل أو أستاذ المدرسة، وغيرهم من المربين المؤمنين لكي يعتبروا متبعين للنهج الإلهي ولله الذي خلقهم ليبرهنوا عن أهليتهم لدخول الجنة من خلال ترك اللذات ونبذ الشهوات، والالتفات إلى العبادة وفعل الخير.

(4) تبطس 1: 7 (لأنه يجب (وجوباً) أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل لله غير معجب بنفسه ولا طالب للخمر ولا ضراب ولا طامح في الربح القبيح بل مضيفا للغرباء محباً للخير متعقلاً باراً ورعاً ضابطاً لنفسه) وقد كلف المعلم والمرشد الروحي بنبذ الخمر والابتعاد عنه، ذلك لأنه يعتبر مثالاً للرعية التي نصب مسؤولاً عنها، ليكون

قدوة حسنة للجيل الناشئ، فيخرج المؤمنين الطائعين بدل المجرمين العاصيين، وتتناسب صفة ضبط النفس مع ترك اللذات والمغريات الدنيوية، وينطبق ذلك على النساء المعلمات والمرشدات المكلفات بالتربية الدينية حيث ورد فيهم…

(5) تيطس 2: 3 (كذلك العجائز في سيرة تليق بالقداسة غير ثالبات غير مستعبدات للخمر… معلمات الصلاح لكي ينصحن الحدثات).

ولكن قد يسأل سائل كيف يكون الخمر حلالاً حراماً في آن واحد؟

نقول طالما أن الكنيسة تعتبر بطرس بمثابة الصخرة التي قامت عليها، ومستودع سر المسيح عليه السلام، فاننا نرضخ لقوله مجاراة لها ونستند على رسالة بطرس الأولى 4: 3 – 4 حيث يقول ناصحاً: (لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا لنكون قد علمنارادة الأمم سالكين في الدعارة والشهوات وإدمان الخمر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرمة)

والبارز في هذه الكلمات أن بطرس أدرج الخمر مع الدعارة والبطر وعبادة الأوثان ووصفها جميعها بالمحرمة وبالتالي لم يعد لدى المنافقين من مهرب، والملجأ الوحيد هو ترك الخمر والاعتراف بحرمتها.

ولكن قد نسأل لماذا حرم الكتاب المقدس الخمر.

كما سبق وأشرنا سابقاً، فإن الله تعالى أعلم منا بمنافعنا، ولم يحرم الخمر جزافاً، فقد بين مساوئها في الكتاب المقدس في عدة مواضع أبرزها.

(1) إذهاب العقل والضياع حيث نقرأ في سفر الأمثال 20 ـ 1 (الخمر مستهزئة، المسكر عجاج ومن يترنح بهما ليس بحكيم).. وهكذا يفقد الإنسان أسمى نعم الله الحكمة، فيصبح جاهلاً رغم علمه، وقد عبر هوشع عن ذلك قائلاً: (الزنى والخمر والسلافة تخلب القلب). ويعتبر هذا النص محرماً إذا التفتنا إلى

التشبيه والجمع بين الخمر والزنى الذي هو حرام قطعاً.

(2) الإدمان وعدم الاستغناء، فقد ورد سفر الأمثال 21: 17: (محب الخمر والدهن لا يستغني) والاستغناء في المقام يؤخذ على محملين..

المحمل الأول:

الافتقار وهو نقيض الاستغناء، وقد يقصد به الفقر المادي…

المحمل الثاني:

الإدمان والتعلق الدائم، أي عدم الاستغناء عن الخمر…

(3) إتلاف الجسد والبنية فقد ورد في سفر الأمثال نهي عن الخمر لهذا السبب حيث نقرأ: (لا تكن بين شريبي الخمر بين المتلفين أجسادهم)

(4) الفقر المادي والمعنوي، والخمول والتعلق بالنوم الكثير، إذ نقرأ في الكتاب المقدس (لأن السكير والمسرف يفتقران والنوم يكسو الخرق) سفر الأمثال 23: 21.

(5) الخمرة تجعل الإنسان ينحرف ويزني ويرتكب المحرمات دون علم أو إدراك حيث نقرأ: (الذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج… عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك ينطق بأمور ملتوية) الأمثال 23: 33.

(6) تجعل الخمرة من شاربها معتوهاً لا يعقل شيئاً حيث يكمل سليمان الحكيم عليه السلام قائلاً في الأمثال 23: 25 (يقول (شارب الخمر) ضربوني ولم أتوجع لكأوني ولم أعرف).

(7) تعلل الجسد وتذهب بقواه وتفتك بأعضائه الداخلية سيما الكبد إذ نقرأ في سفر الجامعة 2: 3 (افتكرت في قلبي إني أعلل جسدي بالخمر)

(8) تجعل الإنسان متلهياً بها تاركاً لأهله وعبادته ومصالحه، متبعاً لما يؤذيه ويهلكه متجاهلاً لما فيه خيره وصلاحه، فاقداً في أغلب الأحوال لشرفه،

جائعاً رغم غناه قانطاً من رحمة الله، مستعداً للموت في سبيل لذاته حيث ورد في أشعياء 5: 11 – 13.

((ويل للمبكرين صباحاً يتبعون المسكر وللمتأخرين في العتمة تلهيهم الخمر وصار العود والربابة والدف والناي والخمر ولائمهم وإلى فعل الرب لا ينظرون وعمل يديه لا يرون لذلك سبي شعبي لعدم المعرفة وتصير شرفاؤه رجال جوع وعامته يابسين من العطش لذلك وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاها بلا حد).

(9) تجعل من متعاطيها مستعداً لبيع شرفه ونسائه وبناته كما ورد في سفر يوئيل 3: 3 (والقوا القرعة وأعطوا الصبي بزانية وباعوا البنت بخمر ليشربوا).. فأي واقع أخطر من هذا، والعواقب الوخيمة المهلكة من ضرر وأذية باتت ظاهرة المعالم على حد تعبير الكتاب المقدس، لدرجة التخلي عن فلذة الكبد في سبيل

الحصول على القليل من الخمر.

وهل هناك من مضار أعظم من هذه ليحرم الخمر من أجلها… إنا نترك لك أخي القارئ خيار تحديد الإجابة، مبتعدين عن إلزام الآخرين بتطبيق الأوامر الإلهية، مبينين للحقائق بهدف التذكير لا أكثر.

لقد أثبت العلم الحديث بأن الذين بتعاطون الخمر كهواة بدافع اللذة، ورغم تصميمهم على التقليل من الكمية التي يتعاطونها تجنباً للوقوع في فخ الإدمان، يدمنون عليه مع مرور الزمن دون قصد أحد، ولا يستطيع أحد أن يتحكم برغباته في هذا المضمار لسببين.

الأول:

حيث أن الرواسب التي تتجمع في كبد الإنسان وكليتيه ورغم قلتها تكون مع الوقت

كمية لا بأس بها تمتزج تلقائياً مع الدم كالمخدر، مما يجعل المرء في البداية راغباً في تناول المزيد وخطوة تلو الأخرى يصبح مدمناً عليه.

الثاني:

خداع الشركات الموزعة والمعامل المنتجة إذ تدعي أولوية صنف دون سواه بهدف الترغيب والترويج المكثف، وبتعدد النكهات والأثمان استطاعوا أن يجدوا لكل ذوق ما يناسبه وفي الأعياد خصوصا يتبارى أغلب الشاربين بطرح كؤوس مقفاة كنخب لكل شاردة وواردة من الأحداث المثيرة والمميزة في عامهم ذاك، ويريد كل منهم إثبات قدرته على التحمل ولذلك اشتهر أهل البقاع اللبناني ممن يستحلون احتساء الخمر بالقدرة المذهلة على التحمل والصمود في وجه أي شارب آخر من سائر

المناطق ومع الأسف تراهم يتفاخرون بذلك في بادئ الأمر كما لو أنهم أبطال، ثم يندمون حيث لا ينفع الندم، وسبب ذلك التفاخر امتلاكهم للكرمة والأعناب، وأعظم المعاصر المنتجة للخمر.

وهكذا يدمن أكثر من 90 بالمائة من شاربين الخمر والسؤال، إذا كان مجرد احتساء الخمر حراما فما هو موقف الكتاب المقدس من السكر؟

راجع الجدول بأماكن تحريم السكر في الكتاب المقدس.

العهد القديمكتية 21: 20لاويين 10: 9العهد الجديدلوقا 1: 151 كو: 5: 11
بوئيل 1: 5كتية 14: 26اشعياء 56: 12تسالونيكي الأولى 5: 7لوقا 21: 34رومية: 13: 13
قضاة 13: 4أشعياء 24: 9أشعياء 28: 7غلاطية 5: 12يوحنا 2: 10 

ولسائل أن يسأل كيف شرب المسيح الخمر إذا كان هذا الفعل محرماً.

نجيب آسفين أن واقع الكتاب المقدس الحالي قد أثبت ان العديد من المدسوسات قد بثت بداخله، وأن الأيادي التي تخدم إبليس قد حرّفته مما جعله متناقضاً في عدّة عقائد منها تحريم الخمر وتحليله ونسب شربه إلى المسيح عليه السلام، وتنزيهه عن ذلك في آن واحد.

ورد في لوقا 1: 15 وصفاً للمسيح عليه السلام على لسان جبرائيل (عليه السلام) إذ نقرأ: (لأنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لا يشرب ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ويرد من بني إسرائيل إلى الرب إلههم ويتقدم أمامه روح إيليا وقوته… لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً)… والتناقض واضح مقارنة مع لوقا 7: 33 حيث يقول (لأنه جاء يوحنا لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فتقولون به شيطان وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب (الخمر) فتقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة والحكمة تبررت من بينها).

وعليه فلا يجوز نسب فعل الفواحش والمحرمات

للمسيح عليه السلام وهو مثال للأمم بحسب بطرس الأولى 1: 22. وقد وردت مثل هذه التناقضات في الكتاب المقدس بكثرة ولسنا الآن في موضع نقاشها.

بات جلياً أمامك أخي القارئ أن الخمر محرّمة لما تحتويه من مخاطر ومضار والله تعالى يعلم خير الإنسان أكثر منه ولا عجب أن ينهاه عن الخمر في جميع الكتب المقدسة وأن لا يقتصر ذلك على القرآن الكريم، هدانا الله جميعاً إلى ما فيه المصلحة والسعادة في الدنيا والآخرة.

 

خاتمة الكلام

 

طوبى للذين يخضعون للعقل، ويجرّدون أنفسهم من التعصّب، فيتبعون الحق أينما كان، فقد نالوا رضوان الله تعالى ورحمته.

إن الله تعالى قد فرض على خلقه الطاعة والعبادة، وأودع فيهم أشرف مخلوقاته، العقل الذي يحرر الإنسان من ميول العاطفة وعصيانها، وأرسل الرسل ليبيّنوا إرادته لكل المخلوقين، في كلّ العصور والأزمان.

فكان لموسى عليه السالم دورٌ بارز في نشر الرسالة الإلهيّة، ولكن مع الأسف دمّر اليهود سفينة مما أدّى إلى غراقها وهروب راكبيها من وجه العاصفة آنذاك.

والمنقذ هو المسيح عليه السلام فقد أدرك هذا الشعب سفينة إلهية أخرى تعود بهم الى برّ الأمان، ولكن سرعان

ما عملوا على ثقبها بواسطة المدسوسات التي تتناسب ومصالحهم الماديّة الدنيئة.

وأخيراً كان رسول الله صلى الله عليه وآله، حاملاً الإسلام سفينة مصفّحة مما أحبط محاولات اليهود المتكررة لاختراقها فلم يتجرأوا على المساس بها مرّة أخرى.

وهدفنا من هذا الكتيّب، أن نظهر للمؤمنين من الناس موارد الربط بين الرسالات الإلهيّة، في مقابل التشويه والمدسوسات التي أدخلها اليهود الى بعضها، فاستخرجنا التوحيد من الكتب السماويّة الثلاثة وأظهرنا الشرك في مقابل هذا الواقع، ليكون للعقل المجال الواسع للتمييز بين الحق والباطل.

واستخرجنا تحريم الخمر ومسبباته من الكتاب المقدس والقرآن الكريم، مقارنين الحقيقة مع الباطل الذي يزعم حلّية شرب الخمر.

 


والنتيجة هي أن جميع الأديان السماويّة تدعو إلى التوحيد، والى نبذ الخمر والابتعاد عنه، في أصلها الموحى ولكن يد التحريف وصلت إليها وأصابع الزيادة والنقصان لعبت بها مما أدّى إلى الاختلاف في نصوصها والتناقض في عقائدها وهذا ما جعل الشرك عقيدة متّبعة وجعل من الخمر شراباً محللاً.

مما يجعل العائق بين سفينة الإسلام وسفينة المسيحيّة، ذلك التناقض الذي يشكّل ثقباً لا يرممم مما يجعل الهروب الى سفينة الإسلام الحل الوحيد الذي يضمن النجاة.

والحمد لله رب العالمين